الشيخ محمد النهاوندي

65

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ ذكر سبحانه المقسم عليه بقوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ونازل لا محالة ، وفي لفظ ( ربّك ) تأمين للرسول منه . قيل : إنّ الحلف بالطّور والبيت المعمور الذي هو ملاذ الملائكة ، وبالسماء والبحر ، مع أن وجود كلّ منها وبقائه بقدرة اللّه ، مشعر بأن لا مهرب من ذلك العذاب « 1 » ، كما صرح به سبحانه بقوله : ما لَهُ مِنْ دافِعٍ حيث إنّ التحصّن منه إما بالذّهاب إلى شاهق الجبل ، أو بالتحصين في البيت ، أو بالصعود إلى السماء ، أو بالغوص في البحر ، ومن المعلوم أنّ كلّها تحت قدرة اللّه وإحاطته ، حيث وصف زمان وقوع ذلك العذاب بقوله : يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ وتضطرب ، وتجيء وتذهب مَوْراً واضطرابا شديدا عجيبا . قيل : تدور السماء كما تدور الرّحى ، وتتكفّأ بأهلها تكفّؤ السفينة « 2 » وَتَسِيرُ الْجِبالُ كالريح كما عن القمي « 3 » ، أو كالسّحاب كما عن بعض العامة « 4 » سَيْراً سريعا ، ثمّ تصير كالعهن ، وذلك لانقضاء الدنيا ، وعدم انتفاع بني آدم بها ، وعدم عودهم إليها ، فإذا كان الأمر كذلك فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بتوحيد اللّه ورسله . ثمّ ذمّهم سبحانه بقوله : الَّذِينَ هُمْ مستقرّون فِي خَوْضٍ واندفاع عجيب عظيم ، وانغماس في الأباطيل والأكاذيب ، كما يغاص في الماء و يَلْعَبُونَ ويلهون بالدنيا ويتشاغلون بما يصرفهم عمّا فيه خيرهم وسعادتهم الأبدية ، ثمّ وصف سبحانه ذلك اليوم الذي فيه الويل للمكذبين بقوله : يَوْمَ كأنّه قال ذلك اليوم يكون يوم يُدَعُّونَ ويدفع المكذّبون بالعنف والشّدّة إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ودفعا شديدا حتى يصلون فيها على وجوههم وأقفيتهم . وقيل : إنّ اليوم بدل عن قوله : يَوْمَ تَمُورُ أو ظرف للقول المقدّر فيما بعد « 5 » . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 14 إلى 18 ] هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 )

--> ( 1 ) . مجمع البيان 9 : 248 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 147 ، تفسير روح البيان 9 : 189 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 332 ، تفسير الصافي 5 : 78 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 189 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 8 : 147 ، تفسير روح البيان 9 : 189 .